يحيى العامري الحرضي اليماني

526

غربال الزمان في وفيات الأعيان

سنة إحدى وخمسين وستمائة توفي شيخ شيوخ اليمن أبو الغيث بن جميل اليمني ، كان الشيخ كبير الشأن ، ظاهر البرهان ، تخرج به خلق ، وانتفع به الناس ، وكان وجوده حياة للوجود ، وفيه يقول اليافعي رحمه اللّه : لنا سيد كم ساد بالفضل سيدا * بكل زمان ثم كل مكان إذا أهل أرض فاخروا بشيوخهم * أبو الغيث فينا فخر كل يمان كان رحمه اللّه عبدا قاطعا للطريق ، فبينما هو كامن لأخذ قافلة إذ سمع هاتفا يقول : يا صاحب العين عليك أعين ، فوقع منه موقعا أزعجه ، وأقبل على اللّه سبحانه ، وظهر عليه من أوله صدق الإرادة وسيماء السعادة ، وصحب أولا الشيخ علي بن أفلح الزبيدي ، فلما ظهرت على يديه خوارق الكرامات قال له شيخه : اذهب عني فسيفان لا يجتمعان في غمد ، فجاء إلى الشيخ علي الأهدل فصحبه . قال الشيخ أبو الغيث : فكنت عند صحبته كقطرة وقعت في بحر . وقال أيضا : كنت عند ابن أفلح لؤلؤة بهمى فثقبها الأهدل وعلقها في عنقي . ولما انتشر صيت الشيخ واستقر بنواحي سردد كتب إليه الإمام أحمد بن الحسين صاحب ذينين يدعوه إلى البيعة ، فأجابه الشيخ : ورد كتاب السيد ، وفهمنا مضمونه ، ولعمري إن هذا سبيل سلكه الأولون وأقره الآخرون ، غير أنا نفر مذ سمعنا قوله تعالى : ( لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ) لم يكن لإجابة الخلق فينا متسع ، وليس لأحد منا أن يشهر سيفه على غير نفسه ، ولا أن يفرط في يومه بعد أمسه ، فليعلم السيد قلة فراغنا لما رام ، ويعذر المولى ، والسلام . قال اليافعي : وقد رأيته في المنام هو والفقيه إسماعيل بن محمد الحضرمي في ليلة واحدة ، فقال لي أحدهما - أظنه الشيخ أبا الغيث - أنا ما فتح علي إلا بعد الخمسين ، فقلت : يا سيدي هذه بداية الفتح أم نهايته ؟ فقال : يا ولدي إذا جاء فضل اللّه جاء دفعة واحدة . ففهمت أنه يعني بذلك الجذبة من جذبات الحق التي تغني العبد عن نفسه وعن الخلق .